الشيخ محمد الصادقي الطهراني

106

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

حسب الحاجة والمصلحة الأخرى والأولى ، دون أن يكون على السوية ، كما أن الزكاة كذلك لا تقسم في مصارفها الثمانية بالسوية . « إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي اللَّه أمراً كان مفعولًا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة وان اللَّه لسميع عليم » « 1 » . « يوم الفرقان يوم التقى الجمعان . . » وهو يوم بدر حيث فرق اللَّه به بخارقة غلبة المسلمين على قلتهم عَدداً وعُدداً ظاهرية على المشركين بكثرتهم فيهما ، فرق اللَّه بين الحق والباطل بصورة حسية ملموسة ، ومتى ؟ « إذ أنتم بالعدوة الدنيا » هي شفير الوادي وفيها الجدب والأرض الرخوة الخوارة « وهم بالعدوة القصوى » وهي علياه وفيها الماء والأرض الصلبة الفوارة « والركب » : العير الذي كان عليه أبو سفيان « أسفل منكم » وهو الأدنى من العدوة الدنيا ، فقد كنتم محاصَرين في العدوة الدنيا بين ركبهم الأسفل منكم وسائرهم الأعلى منكم ، وأنتم في مثلث من هندسة الإنهزام ، ثالثة موقعكم من العدو ، وقد تغلبتم عليهم بإذن اللَّه . « ولو تواعدتم » أنتم على هندسة الحرب ، هذه التي تقضي بطبيعة الحال في التكيكات الحربية عليكم « لاختلفتم في الميعاد » تجنباً عن السقطة الهائلة التي هي قضية طبيعية لهذه الحرب ، « ولكن » كان ذلك عملية قاصدة ربانية وأنتم غافلون « ليقضي اللَّه أمراً » من غَلَبِكم عليهم « كان مفعولًا » على أية حال ، ولكن تحقيقاً ليوم الفرقان و « ليهلك من هلك عن بينة » ملموسة كهذه التي يعرفها كل ذو بصر مهما لم تكن له بصيرة ، « ويحيى من حي عن بينة » كهذه الناصعة الناصحة لكتلة الإيمان « وان اللَّه لسميع » مقالهم ومقالكم « عليم » بحالهم وحالكم . فقد كانت المعركة شاخصة بمواقع فريقي الكفر والإيمان ، شاهدة بالتدبير القاصد الخفي ، فقد خرج جيش الإيمان من المدينة ونزل بضفَّة الوادي القريبة منها ، ونزل جيش الكفر بقيادة أبي جهل بالضفَّة الأخرى البعيدة عنها ، وبين الفريقين ربوة تفصلهما ، وأمّا قافلة العير فقد مال بها أبو سفيان إلى سيف البحر أسفل من الجيشين ، موقع الجيشين كصدفة ولكنها قاصدة ربانية بتلك الدقة والضبط « ليقضي اللَّه أمراً كان مفعولًا » .

--> ( 1 ) . سورة الأنفال : 42